فن

عبدالرحيم الصديقي لـ الشرق: فتاة في أذربيجان وراء فوزي بجائزة كتارا

يأتي فوز الشاعر والروائي عبدالرحيم الصديقي بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها السادسة عن فئة الرواية القطرية المنشورة؛ ليضيف قيمة ليس الى تجربته الروائية القصيرة فحسب، بل كذلك الى الرواية القطرية والمشهد الأدبي المحلي بشكل عام، فهي الجائزة الثانية بعد فوز الروائي د. أحمد عبدالملك في العام الماضي. كما يأتي فوز الصديقي بالجائزة ليتوج مشروعه الأدبي والفني الذي بدأه منذ عقود ثلاثة: شاعرا وكاتبا مسرحيا وتلفزيونا، واستكمالا لمشروع روائي مختلف يخوضه بشغف.
تتميز رواية “مدينة وثيقة عشق” ببعدها الإنساني، وانزياحاتها الدلالية التي تبيح لقارئها ما لا تبيحه لكاتبها، فهي ليست مجرد سرد للأحداث بل مستودع نفس الإنسان كما يقول ميلان كونديرا. يأسرك عمقها، وتستفزك شخصياتها التراجيدية، وتغويك ملامحها العصرية ولغتها الشعرية التي أكسبت العمل خصوصية فنية.
في لقاء خاص مع (الشرق) تحدث عبدالرحيم الصديقي عن المعاني التي تحملها الجائزة، وعن رواية “مدينة وثيقة عشق” وعوالمها، وتقنيات الكتابة فيها، بالإضافة الى مواضيع أخرى في الحوار التالي..

ماذا يعني الفوز بجائزة كتارا للرواية العربية بالنسبة إليك؛ خاصة وأنها روايتك الثانية؟

في البداية أود أن أشكر القائمين على جائزة كتارا (الحي الثقافي) في دعمهم الواضح والمتواصل للمبدع العربي في كافة روافد الأدب والفن والتراث. أما عن الفوز بالجائزة القيمة التي أصبح لها صيت وصدى مميز في جميع أرجاء الوطن العربي فهو شعور يبعث على الدفء والامتنان والخوف في نفس الوقت، وعلى قدر سعادتي بهذه الجائزة كونها إضافة مهمة لمسيرتي الأدبية الطويلة والروائية القصيرة؛ حيث إنها الرواية الثانية؛ فهذا يرفع من سقف التحدي عندما أتصدى لكتابة الرواية الثالثة.

ما المقومات التي ارتكزت عليها الرواية وجعلتها تتفوق على الأعمال القطرية الأخرى التي تقدمت للجائزة؟

الفوز بالنسبة لي توفيق أكثر من كونه تفوقا، خصوصا وأن هناك روايات جميلة تم إصدارها هذا العام. أما عن روايتي الثانية فكنت في حالة حوار مع الذات لكتابتها حتى لا تكون روايتي الأولى (أربعون ألف قدم) مجرد بيضة ديك، وأيضا في اختيار تكنيك الكتابة من حيث استخدام الأصوات الثلاثة معا وفكرة قصص الشخصيات السبع المتداخلة لتكتمل حكاية البطل (سهيل)، ومتعة الغموض لتتكشف الأحداث بصورة غير متوقعة، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك.
قلت في تصريح سابق لـ (الشرق) إن مهمة كاتب الرواية أن يجعل المتلقي يسمع ويحس ويرى.. وهو ما لاحظناه في روايتك “مدينة وثيقة عشق” من ناحية تقنية الكتابة السينمائية التي اعتمدتها.

هل تعتبر خوضك لهذه التجربة مغامرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟
كوني من عشاق الفن السابع ذهبت الى نيويورك لتعلم كتابة السيناريو السينمائي في ورشة كتابة استمرت 6 أسابيع، ومن خلال هذه التجربة ولدت فكرة الكتابة الروائية التي لطالما كنت متخوفا منها. أعتقد أنها مزيج من تلك التجربة خصوصا في التكثيف والتنقل بين الزمن، وكسر رتابة الحالة، طبعا مع التراكمات السابقة لي في الشعر والمسرح والتلفزيون. وأهم ما تعلمته في فن السينما ألا تخسر المتلقي. أن يجذبه العمل من خلال الدقائق العشر الأولى كسينما، أو الصفحات العشر الأولى كرواية.

عنوان روايتك مخاتل ومراوغ. هل كنت مدركا لحجم التأثير الذي سيحدثه في نفس القارئ؟

العنوان من أهم مقومات النجاح في الشعر والمسرح والرواية لأنه يختزل مضمون العمل في كلمة أو جملة. مثلا من أسماء الرواية المبدئية (نجم سهيل) ثم تحول الى (شيرين.. جمهورية بدون) وكل تلك الأسماء لم تقنعني.. فجأة وأنا في زيارة الى باكو بأذربيجان أتجول في المدينة القديمة؛ تعرفت على فتاة تبيع منسوجات يدوية من نافذة منزلها؛ واذا باسمها (مدينة) وكأنني وجدت ملامح بطلة الرواية.. وهنا قلت في نفسي: وجدتها! وبفرح اشتريت منها بسخاء.
في الرواية سبع شخصيات تحركها يد راو غير عليم يفاجأ بنهاية الرواية مثلما تفاجأ (مدينة) و(نجم).

هل كنت مدركا حجم الصدمة التي سيتلقاها القارئ، وردة فعله تجاه النهاية غير المتوقعة؟

الغريب في ذلك أنني كنت أول المتفاجئين، وكانت صدمتي لا توصف عندما تكشفت لي الأحداث والنهاية. عن جد.. نعم. هناك نمطان من كتاب الرواية: الكاتب الأول هو الذي يضع خيوط القصة من الألف الى الياء، ويعرف البداية والنهاية وأغلب التفاصيل. والكاتب الآخر (حضرتي) الذي لا يعلم من الحكاية غير بعض الأفكار الشاردة، فيعيش معها حالة اكتشاف مستمر من خلال جمع الخيوط المبعثرة؛ كالذي يقود سيارته/ طائرته في شارع ضبابي لا يرى سوى الأمتار المائة الأولى، وتتكشف له الأحداث من خلال تفاعل الشخصيات مع بعضها البعض. أنا أجد في هذا النمط من الكتابة متعة جلية تساعدني على كسر روتين الجلوس ساعات طويلة أمام شاشة الآيباد، وإن كانت تستغرق وقتا أكثر فما الضير في ذلك كونها ممتعة.

جميع شخصيات الرواية من نسج الاحتمال، لكنها تحيل الى شخصيات من الواقع نعيش معها وتعيش معنا، وهي شخصيات تراجيدية، تعاني من عقد نفسية واجتماعية. لماذا كان تركيزك طاغيا في الرواية على مشكلة “الجواز” الذي لم تفلح (مدينة) في الحصول عليه، ومثلها كان (صقر) بلا جواز؟
نعم هذا ما قصدت. جميع الشخصيات من نسج الاحتمال كونها شخصيات حية، رأيت بعضها. عايشتها. تصادقت معها.. والبعض الآخر كانت مجرد ملامح اقتنصها من أشخاص وأفكار تراودني وما زالت. أما عن قضية الجواز والبحث عن هوية فهي مسألة وجودية لبني آدم خصوصا في هذا العالم؛ لأن من أبسط حقوق الانسان حق اختيار من يكون، لذلك أردت أن أتطرق لهذا الموضوع الشائك من خلال رحلة بحث (مدينة) عن هوية تتمناها، ولكن لم تولد بها لتربط خيوط الشخصيات بعضها ببعض مع مواضيع أخرى لا تقل ألمًا مثل اللون والعرق والنظرة للآخر.
أحداث الرواية تدور بين الدوحة واسطنبول، وداخل هذا الإطار المكاني توجد تفصيلات عدة تساعد على تتبع مسار الأحداث والشخصيات رغم أنك لم تتقيد بالبنية الكلية للنص، وكأنك

كنت ترمي الى التحرر من سلطة هذه البنية التي تجعلك كاتبا نمطيا. ما الذي دعاك الى ذلك؟

الزمكان بالنسبة للرواية هما عمودا الأساس، والمكان بالنسبة لي محرك جوهري لخلق تفاصيل التفاصيل؛ لذلك لن تجديني أكتب عن مكان أجهله، ففي (أربعون ألف قدم) عشت في نيويورك أسابيع كثيرة كي أتمكن من كتابة تلك الرواية، كون أحداثها تدور هناك. نعم بإمكاني الاستعانة بخرائط جوجل لمعرفة أسماء الشوارع والمدن والمقاهي.. لكنها ستكون بلا طعم ولا روح ولا رائحة. وهذا أيضا ما حدث في رواية “مدينة وثيقة عشق”. فإسطنبول مدينة أعرفها عن ظهر حُب، لذلك اخترتها. أما عن التحرر من سلطة البنية الكلية للنص

فمن منا لا يعشق الحرية؟ على الأقل عند ممارسة فعل الكتابة!

هل كانت موضوعيتك في الرواية عاملا مساعدا للذهاب بعيدا في عوالمها وبشكل مجرد، أم إن الرواية لم تخل من بعض الذاتية التي تظهر أحيانا وبشكل لا إرادي في تعاطفك مع بعض

الشخصيات الى الحد الذي يدفعك لمساعدتها في البحث عن مخرج أو حل لمشكلاتها وعقدها؟

مهما حاول الكاتب ادعاء الموضوعية فلابد له ولو في اللاوعي الانحياز لدعم الفكرة التي من أجلها ولدت الرواية، فحوار الشخصيات ما هو إلا تراكم مفاهيم وقناعات يتبناها الكاتب ولو في عقله الباطني؛ فتخرج على لسان إحدى الشخصيات.
الموضوعية هنا تكمن في إعطاء كل شخصية الحق في تبرير وجهة نظرها، حتى وإن كانت نظرة شاذة.
نعم أحيانا تتعاطف مع بعض الشخصيات لدرجة أنها تملي عليك أن تغير في بعض النهايات (كمتلازمة ستوكهولم)، وهذا ما حدث معي في شخصية (كادي) في رواية (اربعون الف قدم) حيث كانت لها كاريزما طاغية.

في الرواية تعيش شخصياتك صدمات عديدة، وأغلب هذه الشخصيات لا تريد أن تعترف بالواقع، وتهرب من ماضيها.. كيف كنت تعيش عوالمها الداخلية؟

نعم هي كذلك. الدراما صراع داخلي، فالشخصيات المركبة هي الأقرب للقارئ والأجمل للكاتب. كل شخصية كتبتها لها عندي ملف وسيرة ذاتية مطولة، وغالبا ما أكتبه على الورق أقل بكثير مما أعرفه عن تلك الشخصية. أنا أحاول دائما الهروب من الشخصيات النمطية، ولكننا نحتاجها أيضا في مشروع الكتابة حتى لا نسرف في السرد والملل.

ما الأفق المنتظر الذي ستفتحه الجائزة في تجربتك الروائية التي دخلتها اختيارا بعد أن تبين لك أن الشعر لا يمكن أن ينتج كاتبا حقيقيا؟

الجائزة أعطتني صك عبور لدخول عوالم الرواية على الأقل مع الناشر وبكل ثقة. أنا لم أقل إن الشعر لا ينتج كاتبا حقيقيا ولكني بعد 8 دواوين وجدت أن الشعر متعب ويستهلك المشاعر، ويتغذى على حزنك بفرح. وجدتني أيضا مقيدا بقضايا محددة، وكنت حينها أهرب الى المسرح والتلفزيون لطرح القضايا الأخرى، ولكن بعد أن تعرفت على غواية الرواية رأيتها الفضاء الأرحب لممارسة فعل الكتابة بلغة تشبهني وتشبعني دراميا وشعريا.. وما زلت أرنو إلى السينما.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: