عربى ودولى

هل يعود اللبنانيون إلى الشارع؟

سنة مرّت على انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، ذلك اليوم المفصلي في التاريخ اللبناني الحديث. معظم المشاركين في التظاهرات المنطلقة في هذا اليوم علقوا آمالاً كبيرة بإمكانية التغيير الشامل أو في الحد الأدنى احداث فجوة في جدار السلطة الحاكمة ودفعها إلى تقديم تنازلات. مع مرور الأشهر، بدا أن التراكم لم يكن سوى في وعي الناس لخطورة الوضع القائم، ولمحورية ما يطالبون به كأمل أخير مقابل الانهيار الشامل في البلد. لكن السلطة لم تتغير في طريقة حكمها رغم استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري ثم تشكيل حكومة أخرى واستقالتها أيضاً. المسألة لا تعدو كونها أكثر من صراع بين أهل السلطة أنفسهم فيما الناس التي تظاهرت ورفعت شعارات مختلفة ومتباينة غزا جزءا منها اليأس، وضمرت التحركات في الشهور الأخيرة.
اليوم، مع الذكرى الأولى لانتفاضة 17 أكتوبر، ومع التدهور المتواصل للوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي للمواطنين، عادت تظهر دعوات مختلفة من مجموعات عدة لبث الروح مجدداً في الشارع. هذه الدعوات اختلفت بين مسيرات حُدّدت أو جلسات متواصلة للتنسيق وتوحيد المطالب في ظل آراء مختلفة جداً في الشارع تصل حد التعارض الكامل في العديد من المطالب. ما هو مؤكد أن ابتداء من 17 أكتوبر ستشهد بيروت والمناطق مجموعة من التحركات والتجمعات، لكن السؤال الأساسي الذي يؤرق المنظمين والمشاركين يكمن في امكانية استمرار هذا الحراك أو يتحول إلى ما يُشبه تحركاً فولكلورياً سيخمد مجدداً.

انتفاضة لبنان

“الشرق” استطلعت آراء عدد من الناشطين والمجموعات في هذه الذكرى لتقف عند رأيها بالسنة الأخيرة التي مرت ومستقبل الانتفاضة. فبحسب أيمن زين الدين، الناشط في “مجموعة شباب المصرف”، فهو يرى أن “17 أكتوبر كانت نتيجة تراكمات لممارسات سلطة فاسدة على مدى أكثر من 30 عاماً بحق الناس أدت لأن تنفجر في لحظة وتخلق انتفاضة شعبية”.
هذه الانتفاضة برأي زين الدين “كانت وما زالت مستمرة تحت عنوان أساسي هو تغيير المنظومة الحاكمة وتغيير شكل التعاطي السياسي في البلد من مكونات طائفية مذهبية إلى مكونات اجتماعية تنضوي تحت سلطة دولة مدنية قادرة على الاهتمام بالمجتمع”. بالنسبة للشاب ومجموعته التي تُصوب على نحو أساسي على النظام الاقتصادي القائم وعماده السياسات المالية التي على رأسها المصارف، يؤكد أن
“التحركات المقبلة يجب أن تؤكد أن نهار 17 أكتوبر ليس فقط ذكرى إنما هو نهار لتثبيت استمرارية الطرح الداعي إلى التغيير. لا نريد أن نذهب إلى النوستالجيا والتحرك الفولكلوري لنهار واحد.. نحن مستمرون فيما بدأناه”.
الحل برأي هذه المجموعة يجب أن يكون تحت شعار سياسي أساسي وهو “الدعوة إلى تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات تشريعية تضع الأسس لبناء الدولة المدنية. وهذه الحكومة يكون لديها مهام أساسية هي التعامل مع الخارج ورفض الضغوط والاملاءات والتعاون مع المجتمع اللبناني وإدارة شؤونه في ظل الافلاس الحاصل”.

17 أكتوبر

من جهته، يرى باسل صالح، الأستاذ الجامعي والناشط الحقوقي، أن “الباب الذي فتحته 17 أكتوبر لن يُغلق، وما رأيناه هو شيء جديد على مستوى الحياة في لبنان: مشاهد الجوع والجريمة وتفاقم الأزمات الصحية والنفسية والاقتصادية”.
صالح يعتبر أن المواجهة “هي مع هذا النظام على مستواه الطبقي وليس فقط السياسي كأنها مواجهة مع حزب معين أو مجموعة أحزاب”. يلفت صالح خلال الحديث عن امكانية استمرار الانتفاضة وعودتها، أنه أصلاً “17 أكتوبر جاء ضمن سياق سابق وتطور تدريجي لمواجهات سابقة”. فبرأيه أنه “خلال فترة الربيع العربي بدأت الأمور تأخذ منحى آخر في لبنان، عبر الدعوة والمشاركة في مظاهرات اسقاط النظام الطائفي ثم وصولاً إلى 17 أكتوبر التي هي الأضخم والأقوى”.
“تكثيف حماية السلطة للمصارف ليس بتفصيل، هذه المسألة جزء من الفكرة أن هذا النظام مبني على حركة المال والخدمات وهذا كله ينهار ونعيشه يومياً وسيظهر بشكل أقوى في المرحلة”، لذا فإن “هذا المأزق البنيوي لم يعد من الممكن تفاديه وليلة 17 أكتوبر هي ليلة فتح الباب على المواجهات اللاحقة رغم أنهت تضمر لفترة أو يسيطر اليأس لفترات أخرى. ماذا يعيد الناس إلى الشارع؟ “هذا النظام ينهار وينثر العفن الذي في داخله وذلك ما سيعيد الناس إلى المواجهة”، برأي صالح.

الشارع ليس رقماً

ننتقل إلى محمود فقيه، وهو صحفي وناشط ضمن “مجموعة شباب 17 اكتوبر”. يلفت إلى أنه بداية الحراك في السنة الماضية “بدأنا تحت تسمية (حلّوا عنا) ثم أسمينا أنفسنا شباب 17 اكتوبر. غيّرنا التسمية لأن الفكرة جزء من التغيير في هذا البلد الذي نريد، بمرحلة جديدة واسم جديد”. يقول إنه “آمنّا بالتغيير لأن البلد لم يعد يحتمل نكسات ولم نعد قادرين على الاستمرار في بلد يسرق الآمال. مشكلتنا أن الأحلام هي التي تُسرق خاصة عند يكون الشخص غير حزبي”.
يقرّ فقيه أنه مرت سنة وتغير وجه لبنان فيها لكن للأسوأ. “هذا ما كنت نخافه وهذا ما حذرنا منه من أن نصل إلى هذه المرحلة ولا زلنا ننزل في المنحدر ولا أعرف ما هو الشيء الذي يبقي الناس مخدرة. ما هي الضمانة التي تجعلهم يؤمنون أن هناك زعيما يؤمن لهم الطعام من خلال خطاب أو وعد” يضيف.
يلفت الشاب إلى أن “انفجار بيروت هو نموذج تعاطي هذه الطبقة السياسية مع المواطن اللبناني. كيف ترى هذا المواطن، هو مجرد رقم بالنسبة لهم. رقم على كشف وزارة الصحة للكورونا. رقم شخص مات أو أصيب. نحن دائماً أرقام على لائحة الضرائب. على جداول المصارف.. عند الأحزاب”. لكن يشير إلى أنه عندما “نزلنا إلى الثورة، يجب على كل فرد أن يشعر أن رأيه موجود وأننا لسنا بأرقام. الرقم لا يعبر دائماً إن كنا على حق أو لا. نتمنى أن نقوى أكثر على المدى البعيد وانا لا أفقد الأمل رغم أن لبنان كله نكسات وحروب والناس تتجه أكثر نحو التمذهب. وأنا شخصياً باقي في الشارع ولن أتركه”.
يُعد حزب الكتائب واحداً من الأحزاب والمجموعات القليلة التي كانت لها تمثيل في الحكومات ومجلس النواب، والداعية إلى المشاركة في التظاهرات أيضاً. هذه المسألة، وضعت الحزب أمام اتهامات بمحاولة “ركوب الانتفاضة” ومحاولة تجيير غضب الشارع نحو أهداف لا يريدها. وأمام هذا الواقع، يقول القيادي في الحزب جيلبير رزق إنهم كحزب انتقلوا “بعد تحرير لبنان من الاحتلال السوري إلى المواجهة مع هذه المنظومة الحاكمة بعد نسف آخر جسور الأمل لأي تغيير من داخل هذا النظام”. وأشار إلى أنه “حتى قبل أن تُقلب الطاولة كلها انتقلنا إلى المواجهة الشاملة باستقالة الوزراء ثم السير في المواجهة خلال الانتخابات النيابية عام 2018”.
ويرى أن “17 اكتوبر هي النتيجة المنتظرة لتراكم نهج تهديمي من قبل منظومة السلطة لأكثر من 30 عاماً التي نحن خارجها”، مؤكداً أنه “بدأنا المواجهة قبل 17 اكتوبر، وظهر ذلك في ملفات كالكهرباء والنفايات والضرائب”. وعن المستقبل القريب مع حلول ذكرى الانتفاضة، يقول رزق “نحن بحاجة إلى وقفة لقراءة نقدية لكيفية بلورة وتقديم نموذج بديل من خلال انتخابات نيابية تنتج طبقية سياسية تلبي مطالب الثوار وتكون رافعة لعملية انقاذ حقيقية. لذلك نحن نقوم اليوم بحملة واسعة من الاتصالات ونحن على تنسيق مع أغلب المجموعات الثورية التي تتمتع بحس السيادة أيضاً لكي نستكمل الثورة النهضوية التي بدأت منذ عام على كل المفاهيم القديمة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: