مال و أعمال

شركة إماراتية يقودها نصاب دولي تخدع المصريين بمليون وحدة سكنية و40 مليار دولار

يوم 10 مارس 2014 وبأسلوب الخداع والنصب العلني، داعبت الإمارات الأمل لعدد كبير من شباب مصر، بإعلان شركة أرابتك القابضة الإماراتية عن توقيع عقد بقيمة 40 مليار دولار مع وزارة الدفاع المصرية لإنشاء مليون وحدة سكنية لمحدودي الدخل، وأعلن الجيش المصري وقتها أنه اتفق مع أرابتك للإنشاءات على بناء مليون وحدة سكنية للشباب ذوي الدخل المحدود في مصر على مدى السنوات الخمس المقبلة.

هذه الصفقة الوهمية الضخمة جعلت شباب مصر يتخيلون أن أزمة السكن الخانقة تم حلها بمشروع واحد وفي غمضة عين، وأن الأزمة التي استعصى حلها طوال نصف قرن على كل الأنظمة والحكومات السابقة وجدت طريقها للحل مع نظام 3 يوليو 2013، وأن الحكومة أخيراً ستحنو عليهم وستمنحهم وحدة سكنية يتزوجون بها ويكونون داخلها أسرة صغيرة، وأنه ليس مطلوباً من كل شاب الآن أن يعمل سنوات طويلة لتدبير، ليس مبلغاً يشتري به وحدة سكنية، ولكن فقط لتدبير مقدم شقة للإيجار.

احتفى الإعلام المصري بدوره احتفى بالخبر “القنبلة” والصفقة الأضخم في تاريخ مشروعات الإسكان المصري، خاصة مع ضخامة عدد الوحدات التي ستتم إقامتها وتشييدها في نحو نصف محافظات مصر، والأموال التي سيتم ضخها وتزيد عن 40 مليار دولار، أي 280 مليار جنيه بأسعار صرف ذلك الوقت، والفئة المستفيدة من المشروع وهم شريحة الشباب محدودي الدخل والذين يعانون صعوبة شديدة في الحصول على سكن، إما بسبب قلة الإمكانيات المادية أو الندرة.

كما احتفى الاعلام المصري بالشركة الإماراتية نفسها التي كان يقودها في ذلك الوقت حسن عبدالله إسميك الذي سنكتشف في هذا التقرير بأنه نصاب دولي بحسب موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني ، حيث وصفه الإعلام المصري حينها بأنه “أول ملياردير أردني وثالث أصغر ملياردير في منطقة الشرق الأوسط وضمن أكثر 12 شخصية مؤثرة اقتصادياً في المنطقة في العام 2014، “، كما وصف الإعلام الشركة بأنها أضخم شركات المقاولات في منطقة الشرق الأوسط والأبرز في منطقة الخليج.

وزاد اهتمام الرأي العام المصري والإعلام بالصفقة العقارية الضخمة عقب البيان الذي أصدره العقيد أحمد محمد علي المتحدث باسم الجيش المصري في ذلك الوقت والذي قال فيه “أطلق نائب رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي المشير عبدالفتاح السيسي حملة “من أجل شباب مصر” لحل مشكلة الإسكان للشباب ذوي الدخل المحدود، والتي تبدأ بالاتفاق على إنشاء مليون وحدة سكنية بالتعاون بين شركة أرابتك الإماراتية والقوات المسلحة المصرية خلال السنوات الخمس المقبلة”.

بعدها توالت التصريحات الحكومية والمانشيتات التي تحمل الوعود البراقة خاصة مع قرب انتخابات الرئاسة في 2014، “فالسيسي يعقد اجتماعاً ليستعرض، تصورات الشركة الإماراتية للنماذج التي راعت أن تكون وفقاً لأحدث التصميمات العصرية، حيث تشمل مساحات خضراء ودور عبادة، ومناطق تعليمية وترفيهية وتجارية وصحية، إلى جانب مواقف للسيارات”. “والحكومة تعقد اجتماعات مكوكية للبدء في تنفيذ المشروع السكني العملاق في 13 منطقة بأنحاء مصر على أراضٍ توفرها الدولة”.

ومصطفى مدبولي وزير الإسكان في ذلك الوقت يكثف تصريحاته عن تفاصيل مشروع أرابتك لبناء مليون وحدة سكنية في مصر، وعن الاجتماعات المكوكية التي تعقدها وزارته مع كبار المسؤولين في الشركة الإماراتية للاتفاق على كل التفاصيل. كما يكشف عن اتفاق أرابتك مع وزارة الإسكان المصرية على شروط المرحلة الأولى من المشروع والتي تشمل بناء 100 ألف وحدة في مدينتي العبور وبدر.

وعقب انتهاء الانتخابات الرئاسية بدأ الحديث عن مشروع المليون وحدة سكنية يخفت ويفقد بريقه ويتراجع عن عمد يوماً بعد اليوم، ومن حين لآخر تتسرب أخبار في الصحف والمواقع أقرب إلى الشائعات وجس نبض الرأي العام حول انسحاب المؤسسة العسكرية من المشروع وإسناد المهمة إلى وزارة الإسكان المصرية.

وبعدها أخبار عن تصاعد الخلافات بين الحكومة المصرية وشركة أرابتك حول شروط وضوابط المشروع العملاق، ثم أخبار عن نية أرابتك الانسحاب من المشروع لوجود مشاكل كثيرة تحول دون الإسراع في تنفيذ المشروع الذي ينتظره مليون شاب، وبسرعة تخرج الحكومة المصرية والشركة معاً لتنفيا نية الانسحاب.

بعدها تتسرب أخبار عن وجود مشاكل تواجه الشركة الإماراتية في الحصول على أراض للمشروع في أماكن مناسبة، ومرة أخرى عن صعوبات في تدبير التمويل الذي سيتم من خلاله تمويل المشروع، ومرة ثالثة عن تعثر عملية التفاوض مع عدد من البنوك المصرية والعالمية لتمويل المرحلة الأولى من مشروع لبناء مليون وحدة سكنية في مصر.

وتمر السنة تلو الأخرى والحديث يخفت يوماً بعد يوم عن مشروع بناء مليون وحدة سكنية، ليكتشف المصريون أن الحكومة مارست عليهم أكبر عملية نصب لأسباب سياسية بحتة، حيث لم تبن وحدة سكنية واحدة في مصر، وأنها كانت تخدع المصريين وتبيع الوهم والوعود الخادعة ببناء مليون وحدة لأصحاب الدخول المحدودة بهدف الحصول على أصوات هؤلاء في انتخابات الرئاسة التي جرت في العام 2014 وفاز فيها السيسي بنسبة 96.91%.

كما اكتشف المصريون أن الشركة التي وعدت بضخ استثمارات في قطاع العقارات المصري تقدر بنحو 40 مليار دولار لم تكن تمتلك حتى 1% من هذا الرقم بالنظر إلى مركزها المالي الضعيف وحجم الخسائر الفادحة التي تعرضت لها في السنوات الأخيرة، وأن رئيس مجلس إدارة الشركة الذي أعلن عن المشروع المصري الضخم في مارس 2014، وهو حسن اسمك نصاب دولي بحسب موقع “ميدل إيست مونيتور” البريطاني، الذي أكد أن حسن متهم في قضايا غسل أموال في الأردن، موطنه الأصلي، بقيمة 100 مليون دولار، وأن مدعي عام محكمة عمان قرر التحفظ على أموال حسن وشقيقه يحيى ومجموعة شركاته التي أسسها في عمان وعلى رأسها شركة “آبار الأردن”، بحسب وسائل إعلام أردينية

كما عرف المصريون ولأول مرة أن شركة أرابتك مملوكة للحكومة الإماراتية، وأن شركة آبار للاستثمار الذراع الاستثمارية لحكومة أبوظبي تمتلك حصة قدرها 35% في أرابتك.

اليوم وفي أحدث الأخبار الاقتصادية تشير التقارير إلى أن الشركة الإماراتية تعاني من أوضاع مالية صعبة تهدد مستقبلها ووجودها أصلاً، فقد كشفت أحدث الأرقام أن الخسائر المتراكمة على أرابتك القابضة المدرجة في سوق دبي المالي بلغت 671.3 مليون درهم (نحو 183 مليون دولار)، وتشكل ما نسبته 44.7% من رأسمالها البالغ 1.5 مليار درهم.

كما أعلنت الشركة أنها تكبدت خسائر سنوية بلغت 773.8 مليون درهم (نحو 211 مليون دولار) ، وهي أول خسارة سنوية لها منذ عام 2016، وأنه مع الأزمة العقارية العنيفة التي تمر بها دبي بسبب تداعيات تفشي وباء كورونا وتهاوي أسعار النفط، فإن خسائر الشركة تتعمق لتدخل المنطقة الحمراء، وهي منطقة خطرة قد تقودها إلى مرحلة الإفلاس وإعلان التصفية القانونية، ليترحم عليها ملايين المصريين الذين قامت بخداعهم لسنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق