أخبار قطرسياسة

المركز العربي: الأزمة الخليجية ستستمر ما لم تتخل دول الحصار عن سياساتها

أكد تقدير موقف للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن الأزمة الخليجية ستستمر ما لم تتخل دول الحصار عن سياساتها ومحاولاتها فرض هيمنتها والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وأوضح التقرير أن رباعي دول الحصار يراهن على متغيرات إقليمية ودولية تمكنها من تحقيق أهدافها وإضعاف موقف قطر.

أشار تقدير الموقف الذي حمل عنوان “حصار قطر: سياقات استمرار الأزمة وآفاق حلّها” إلى أن أزمة حصار قطر ما زالت تراوح مكانها، رغم مرور ثلاث سنوات، والصدع العميق الذي أصاب بنية مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

ولم تفلح مساعي الوساطة التي بذلتها دولة الكويت وأطرافٌ دولية أخرى، وجديدها الجهود التي دفعت بها واشنطن في الأسابيع الأخيرة ليستعيد المجلس وحدته. ولم تساعد الأزمات التي تمر بها دول المنطقة، مثل تفشي وباء كورونا المستجد في دول المجلس والضائقة الاقتصادية التي تواجهها أكثر دول الخليج بسبب انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي العالمي، في تغيير الواقع الذي فرضه الحصار قبل ثلاث سنوات في أسوأ أزمة يشهدها مجلس التعاون منذ إنشائه عام 1981.

دروس أزمة 2014
وأضاف تقدير الموقف إن الأزمة الحالية لم تكن الأزمة الأولى بين قطر وجاراتها الخليجيات؛ إذ سبق للدول الخليجية الثلاث أن سحبت سفراءَها من الدوحة في فبراير 2014. وقد مثّل حينها الخلاف على الموقف من الانقلاب العسكري في مصر الذي أطاح بنظام الرئيس المنتخب محمد مرسي في 3 يوليو 2013، جوهر أزمة 2014، وسببها المباشر، وهو عمليا امتداد للخلاف الذي اشتعل حول ثورة 25 يناير 2011 في مصر، والموقف من عموم الثورات العربية التي انطلقت من تونس أواخر عام 2010.

وأشار إلى أن الوساطة التي قامت بها الكويت في ذلك الوقت نجحت في احتواء الأزمة، وجرى اتفاق الرياض الأول ثم اتفاق الرياض التكميلي بعد مفاوضات استغرقت نحو ثمانية أشهر. وانتهت الأزمة وقتها عند هذا الحد، فأعيد سفراء السعودية والإمارات والبحرين إلى الدوحة، وحضر ولي العهد السعودي في ذلك الوقت الأمير سلمان بن عبد العزيز قمة الدوحة في ديسمبر 2014. وعُدّت القمة بمنزلة نجاح كبير للدبلوماسية القطرية وقدرتها على احتواء التوتر والخلاف مع الجيران، من دون التفريط في استقلالية قرارها الوطني.

ولم تتخذ الأزمة الخليجية في ذلك الوقت أبعادا أكبر نتيجة حالة القلق التي انتابت عواصم دول الحصار من سياسات إدارة باراك أوباما الثانية؛ فبعد أن جارى أوباما في ولايته الأولى ثورات الربيع العربي إلى حدٍ ما، وساهمت ضغوطه في إزاحة حسني مبارك، حاول في ولايته الثانية مجاراة إيران أملا في إبرام اتفاقية لحل أزمة برنامجها النووي.

وقد أدت سياساتُ أوباما الاسترضائية تجاه إيران، وشعورٌ خليجي بالتخلي الأمريكي، إضافةً إلى تنامي سياسات الهيمنة الإيرانية، إلى إحساسٍ خليجي عامٍ بالضعف؛ على نحوٍ دفع السعودية والإمارات تحديدًا إلى تأجيل خلافاتهما مع قطر، خصوصا في ضوء الحاجة إلى دعم قطر الإعلامي والمالي والعسكري مع بدء الحرب في اليمن مطلع عام 2015.

وقد ساهمت قطر في دعم التحالف العربي حينها لمواجهة الانقلاب الذي قام به الحوثيون على حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي وسيطروا فيه على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وبدأوا الزحف في اتجاه عدن في يناير 2015.

مع ذلك، ورغم الاعتقاد بأن صفحة الخلاف طُويت مع الجيران، فإن قطر استفادت من ظروف أزمة 2014 لتعزز اعتمادها على ذاتها؛ فباشرت ببناء احتياطي استراتيجي من المواد الغذائية، وسرّعت العمل في مشروعات البنية التحتية، خاصة منها مشروع المطار الجديد والمرفأ حتى تقلل من اعتمادها على موانئ دبي في حركة الصادرات والواردات، لذلك عندما وقعت أزمة 2017 كانت مشاريع البنية التحتية قد اكتملت، ومن ثم خفّت وطأة الحصار وتداعياته على الاقتصاد والمجتمع القطريَين، على نحوٍ ساعد قطر في الدفاع عن استقلالية قرارها الوطني وعدم الرضوخ لضغوط دول الحصار لإجبارها على الاستسلام.

العامل الأمريكي في الأزمة

ونبه تقدير الموقف إلى أن الرياض رحّبت مع حلفائها الخليجيين بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ورأت في انتهاء حقبة أوباما والديمقراطيين، فرصة لعودة الشراكة الكاملة مع واشنطن بعد التوترات التي أصابت العلاقة بسبب الربيع العربي والتقارب الأمريكي – الإيراني. لذلك، قررت السعودية تجاوز إساءات ترامب إليها أثناء حملته الانتخابية، وتعبيراته الفوقية والاستعلائية تجاهها. وشجعها على المضي في هذه المقاربة العداء الصريح الذي أبداه ترامب لإرث حقبة أوباما؛ من الاتفاق النووي مع إيران وتعهده بانسحاب بلاده منه حال وصوله إلى البيت الأبيض، إلى إعجابه بالقادة الأقوياء مثل عبد الفتاح السيسي، وعدم اكتراثه لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبحلول هذا الوقت، بدأ يتضح، أن أزمة 2014 لم تُحلّ تماما، بل جرى نزع فتيلها فحسب، وعلى الرغم مما بدا من عودة العلاقات بين قطر وجيرانها إلى وضعها الطبيعي، فإن جذور أزمة عام 2014 بقيت موجودة، وكذلك النوايا الإماراتية – السعودية تجاه قطر التي ترفض محاولة فرض وصايتهما على سياستها الخارجية، التي قد تتحول إلى وصاية داخلية أيضا. وقد اتضح ذلك من خلال قائمةٍ تضمنت 13 مطلبًا تم تقديمها لقطر، بعد فرض الحصار عليها.

وقد سمحت التغطية السياسية التي وفرها ترامب لدول الحصار في البداية بالذهاب إلى أبعد مدى ممكن في ضغوطها على قطر، بما في ذلك التفكير في القيام بعمل عسكري ضدها، كما كشف عن ذلك أمير دولة الكويت الذي صرح خلال زيارة قام بها لواشنطن في سبتمبر 2017 للحصول على دعم أمريكي لمساعي الوساطة التي يقوم بها، بأن الجهود التي بذلها نجحت في تجنب عمل عسكري في الأزمة الخليجية.

ولفت تقدير الموقف إلى أن قطر بدأت فورا في العمل لتبديد سوء الفهم مع البيت الأبيض والناجم عن استقاء معلومات من مصدر واحد، كما كثفت العمل في الكونغرس، واستثمرت في الخلاف الذي برز بين الرئيس ترامب ووزارتَي الخارجية والدفاع الأميركيتين بخصوص الأزمة الخليجية؛ ففي حين أيد ترامب مواقف دول الحصار من قطر في بداية الأزمة، حثّت الوزارتان على حل الخلاف بالحوار، وعرضتا المساعدة في ذلك.

وبالتوازي مع تجاوبها مع الوساطة الكويتية التي انطلقت مع بداية الأزمة، ركزت قطر جهودها على تغيير موقف الرئيس ترامب باعتباره عامل القوة الرئيس الذي تستند إليه دول الحصار في هجومها على قطر. وبدأت في تعزيز موقف وزارتَي الخارجية والدفاع في مقابل موقف ترامب؛ فوقّعت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لمكافحة تمويل الإرهاب في 12 يوليو 2017، وذلك خلال جولة دبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي قام بها وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون. كما نجحت قبل ذلك في إبرام اتفاقية جرى توقيعها في مقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن لشراء 36 طائرة أف 15 – بقيمة 12 مليار دولار.

وحسب تقدير الموقف انتقلت قطر بعد ذلك إلى التركيز على تغيير موقف ترامب من الأزمة؛ فجرى ترتيب لقاء حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض في 19 سبتمبر 2017، وذلك أثناء مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان اللقاء الأول بين الرجلين ناجحا؛ إذ وصف ترامب علاقته بالأمير بالصداقة الطويلة. وتكررت بعد ذلك اللقاءات بين ترامب وسمو الشيخ تميم، فعُقدت القمة الرسمية الأولى في أبريل 2018 في البيت الأبيض، وعُقدت الثانية في يوليو 2019، وفيها تكرس التغيير في موقف الرئيس ترامب بوضوح من الأزمة الخليجية، وانعكس ذلك في البيان المشترك الذي صدر عقب محادثات الطرفين في البيت الأبيض؛ إذ أكد الطرفان أن العلاقة الإستراتيجية والدفاعية الوثيقة تعززت بين البلدين. وتوّجت القمة الأخيرة جهود قطر في تغيير موقف الرئيس الأمريكي حيث أكد أن قطر حليف رئيس في تحقيق استقرار المنطقة وأمنها.

مستقبل الأزمة

واختتم تقدير الموقف برؤية مستقبلية عن الأزمة، حيث شدد على أنه رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الكويت خلال السنوات الثلاث الماضية، لم يحصل تقدمٌ حقيقي على صعيد الحل. وبرزت خلال عام 2019 أكثر من مناسبة تزايدت فيها الآمال بإمكان حصول اختراق يؤدي إلى إنهاء الأزمة؛ فقد شاركت قطر مرتين على مستوى رئيس مجلس الوزراء في قممٍ عُقدت في السعودية، هي قمم مكة الثلاث في مايو 2019 وقمة مجلس التعاون في الرياض في ديسمبر 2019. مع ذلك لم يحصل اختراق في جدار الأزمة. ولم تلق دعوات قطر لرفع الحصار وتوحيد جهود دول مجلس التعاون في مواجهة وباء كورونا آذانا صاغية في عواصم دول الحصار.

وفي حين تبدو قطر متمسكة بسيادتها واستقلالية قرارها خاصة في السياسة الخارجية، فإن دول الحصار تراهن على متغيرات إقليمية ودولية يمكن أن تؤدي إلى إضعاف موقف قطر ودفعها إلى الرضوخ للمطالب التي أصبحت مثار استغراب المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة. لكن الأزمة في الولايات المتحدة بسبب تداعيات أزمة كورونا الصحية والاقتصادية، وموجة الغضب التي فجّرها مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي، جورج فلويد، وتأثيرات ذلك المحتملة في الانتخابات الأمريكية، يمكن أن تؤدي إلى تغيير في حسابات دول الحصار خلال المرحلة القادمة.

لكن قطر تؤكد استعدادها للتسوية، وهذا يعني تقديم تنازلات، ولكنها لن تقبل بالوصاية، أو بأي حل تكتيكي أو مرحلي تلجأ إليه دول الحصار في انتظار ظروف أكثر ملائمة لتجديد الحملة عليها. لذلك، فإن قطر تصرّ على ضرورة إيجاد حلٍ دائم يستند إلى احترام سيادة الدول وحقّها في اختيار سياساتها التي تحقق مصالحها من دون الإضرار بمصالح الآخرين أو التدخل في شؤونهم الداخلية، ورفض الإملاءات والعمل وفق مبدأ المساواة في السيادة، وحق الجميع في تحقيق الأمن. إذا لم يحصل توافق على هذه البديهيات في التعامل بين الدول ذات السيادة فالأرجح أنّ الأزمة ستستمر.

لقد أضرّت الأزمة بمجلس التعاون وبصورته العالمية، كما أضرّت بمؤسساته وأهدافه، ومن مصلحة الدول الأعضاء في هذا المجلس أن تنتهي هذه الأزمة بتسويةٍ عادلة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة.

المصدر :- جريدة الشرق

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: