أخبار قطرعربى ودولى

صباح الأحمد دافع عن سيادة قطر في أزمة سحب السفراء

يلخص مشهد صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وهو يتوقف أمام علم دولة قطر في القمة الخليجية عقودا من الارتباط جمعت قطر والصباح الذي لم يكن فقط أميرا للدبلوماسية ولكن قائدا في المنطقة حمل همومها وسعى لنزع فتيل أزماتها. وكانت أزمة سحب السفراء عام 2014 حدثا حادا لم تشهد مثله منطقة الخليج منذ تولى الشيخ صباح الاحمد مقاليد الحكم في الكويت في يناير 2006.

لمس الصباح بحدسه الدبلوماسي نذر الأزمة مع انفراط عقد القادة المؤسسين لمجلس التعاون الخليجي وبزوغ شخصيات شابة دفعها الحماس لاتخاذ إجراءات حادة لمعالجة النزاعات والازمات في الخليج .

وفي حدث هو الأول من نوعه منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية قبل أكثر من ثلاثين عامًا، سحبت ثلاث دول خليجية، هي السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة في الخامس من مارس 2014.

وأعربت دولة قطر، في بيان أصدرته في اليوم نفسه عن أسفها لسحب السفراء من الدوحة، وأكدت أنها لن ترد بالمثل، ونفت اتهام تلك الدول للدوحة بالتدخل في شؤون الخليج، وأكدت أن موقفها جاء بسبب “اختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون”.

وسرعان ما بدأت جهود دبلوماسية كويتية، توجت باجتماع وزاري خليجي عقد في 17 أبريل 2014 بالرياض، أعلن خلاله وزراء خارجية دول الخليج موافقة دولهم على آلية تنفيذ وثيقة الرياض، في إشارة إلى الاتفاق المبرم في 23 نوفمبر 2013.

وجاءت الأزمة الدبلوماسية غير المألوفة في منطقة الخليج، لاسيما بين الدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي في سياق التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة باندلاع الثورات العربية وتباين المواقف إزاءها.

◄ دعم الثورات ومعارضتها

يقول الباحث جمال عبد الله الخبير المختص بالشؤون الخليجية بمركز الجزيرة للدراسات ان القراءة الأولى لهذا التصعيد من قبل حكومات الدول الخليجية الثلاث، وفي هذا التوقيت، تكشف عن سعي هذه الدول للحد من التأثير القَطري واضح المعالم في بعض الملفات المحورية في منطقة الشرق الأوسط، ، ورغبة البعض الآخر في العمل بجدية على اجتياز مرحلة ما يُعرف بثورات الربيع العربي، تلك الثورات التي اجتاحت عددًا من الدول العربية وأقلقت العديد من الأنظمة في المنطقة.

◄ محايد بين حليف ومعارض

ومع تفجر الخلافات بين الطرفين وبشكل علني تولّد ما يشبه التكتلات في المنطقة، وعليه بدا وكأن معالم خريطة جديدة لمشهد التحالفات في طور التكوين. ووقفت دولة الكويت على الحياد الايجابي حيث اختط الشيخ صباح الاحمد نهجا رسخ الاستقرار في الكويت، وحقق التوازن في مواقفه الخليجية والعربية.

ويضيف: إن خشية بعض الأنظمة في المنطقة من أن يطالها التغيير الذي شهده العالم العربي، جعلها تعتمد استراتيجيات مواجهة وقائية لتحصين نفسها من ارتدادات رياح الحرية التي تهب في عدد من الدول العربية منذ أواخر العام 2010.

ويؤكد أن المناورة التي قامت بها الدول الخليجية الثلاث من خلال سحب سفرائها من الدوحة لم تحقق هدفها في إرغام دولة قطر على التراجع عن المنهج الذي تتبناه في دعمها للتغيير الذي يجتاح العالم العربي .

◄ رسالة دعم وتضامن

سمو أمير دولة الكويت – رحمه الله – الذي حرص على حضور مراسم تسلم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في البلاد بعد تنازل الأمير الوالد صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تبنى موقفا يقوم على الاحترام المتبادل لسيادة الدول وكان ذلك بمثابة رسالة دعم وتضامن من الكويت لم يدركها الآخرون.

راهن البعض على أن السياسة الخارجية لدولة قطر سوف تنحى في اتجاه آخر بعد تسلم صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في الخامس والعشرين من يونيو 2013، ولكن تأكيد سمو الشيخ تميم بن حمد في كلمته التي ألقاها بمناسبة توليه حكم البلاد على أنه سيواصل المسيرة التي سار عليها الأمير الوالد، وأن قطر ستبقى كعبة المضيوم، وتطبيقه ذلك على أرض الواقع، جعل بعض الأطراف الخارجية المختلفة جوهريًا مع دولة قطر في نهج سياستها الخارجية، تحاول ممارسة الضغوط على قطر ولكن دون جدوى.

◄ تأثر المنظومة الخليجية

أوشكت أزمة سحب السفراء أن تؤثر بعمق على أداء منظومة مجلس التعاون الخليجي، بعد أن زعزعت الثقة بين أعضائه، ذلك أنه ومنذ إنشاء هذه المنظومة الإقليمية، وهذا ما يمكن رصده في هذا السياق؛ حيث لم تحذُ دولة الكويت وسلطنة عُمان حذو الرياض وأبوظبي والمنامة في سحب سفرائها من الدوحة . ومن البديهي أن موقف هاتين الدولتين يمثل مؤشرًا على رفض الانسياق للموقف الآخر ، ويبرز وجود انشقاق حقيقي هدد المنظومة الخليجية وهو ماحذر منه الشيخ صباح الأحمد موضحا أن الانشقاق في الصف الخليجي سيؤدي إلى عدم القدرة على اتخاذ قرار خليجي موحد.

◄ دعم برلماني

حظي سمو أمير دولة الكويت في موقفه المحايد من الازمة بدعم برلماني من مجلس الامة الكويتي، حيث اهتم المجلس بسبل حلها وبضرورة السعي لرأب الصدع ، وقاد رئيس مجلس الأمة الكويتي مرزوق الغانم، البرلمانيين في دعم موقف وجهود الشيخ صباح الأحمد الصباح للبدء في محاولات رأب الصدع بين دول مجلس التعاون الخليجي .

وبالتوازي مع ذلك بدأت جهود كويتية لحلحلة الأزمة الخليجية، حيث قام الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، في 13 أكتوبر 2014 بزيارة إلى أبوظبي، التقى خلالها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات والشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي وفي اليوم نفسه عقد ثاني لقاء بين الرياض والدوحة خلال 3 شهور من أجل حلحلة الأزمة وبناء الثقة بين مختلف الأطراف داخل البيت الخليجي الواحد .

◄ جولات مكوكيةالجهود الكويتية لحل الأزمة الخليجية تسارعت خطواتها في شهر نوفمبر 2014 حيث قام أمير الكويت بجولة خليجية في السابع من ذلك الشهر، زار خلالها الإمارات ثم قطر ثم البحرين، أعقبها وزير خارجيته في اليوم التالي بزيارة لكل من الرياض ومسقط .

وفي 16 نوفمبر توجت جهود سمو أمير دولة الكويت ، بعقد قمة خليجية في الرياض، أعلنت خلالها كل من السعودية والإمارات والبحرين «عودة سفرائها إلى دولة قطر»، بعد نحو 8 شهور من سحبهم، وذلك بموجب اتفاق جديد تحت عنوان «اتفاق الرياض التكميلي».

ونصت بنود اتفاق الرياض التكميلي 2014 على وقف الاساءات إلى أي دولة من دول مجلس التعاون ، واتخاذ تدابير من شأنها بناء مناخ الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي .

وودع الخليجيون عام 2014، بنهاية سعيدة لعام طويل من الخلافات المتعددة والمتشابكة، من بينها أطول خلاف شهده مجلس التعاون الخليجي في تاريخه، بأزمة سحب السفراء التي استمرت لأكثر من 8 أشهر، بدأ في 5 مارس وانتهت في 16 نوفمبر 2014 بإعلان الدول الثلاث عودة سفرائها مجدداً، وتوجت تلك المصالحة بعقد قمة خليجية في الدوحة في 9 ديسمبر 2014.

وبعد انتهاء القمة صدر بيان مشترك نص على «تم التوصل إلى اتفاق الرياض التكميلي والذي يصب – بحول الله – في وحدة دول المجلس ومصالحها ومستقبل شعوبها، ويعد إيذاناً بفتح صفحة جديدة ستكون بإذن الله مرتكزاً قوياً لدفع مسيرة العمل المشترك والانطلاق بها نحو كيان خليجي قوي ومتماسك، خاصة في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة، وتتطلب مضاعفة الجهود والتكاتف لحماية الأمن والاستقرار فيها، وبناء عليه فقد قررت كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين عودة سفرائها إلى دولة قطر. ونسأل الله أن يحمي دول المجلس من كيد الكائدين، وأن يديم عليها الأمن والاستقرار والرخاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه».

وقوبل الاتفاق بارتياح خليجي حيث رحبت شعوب المجلس بانتهاء الأزمة وعودة العلاقات بين الأشقاء بعدما نجحت القمة في التمسك بوحدة مجلس التعاون والتأكيد على فتح صفحة جديدة في العلاقات الخليجية، وإنهاء الخلاف . وكان المجهود الذي بذله سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أهم العوامل التي قادت الى طي الخلاف الخليجي ونجح في إقناع دول مجلس التعاون بالانحياز الى الحكمة الخليجية .

وكان الدرس الذي خرجت به دول مجلس التعاون من هذه الأزمة هي ضرورة قبول التنوع في السياسات الخارجية للدول وأن على الخليج أن يتحد لمواجهة التهديدات من إرهاب وانخفاض في أسعار النفط، والاستفادة من التجربة السياسية لدى الاتحاد الأوربي، حيث إن اختلاف السياسات بين الدول هو مصدر قوة لدى الدول الأوروبية وهذا هو النهج الذي سعى أمير الكويت الراحل لإقناع دول الخليج بتبنيه لتجنب الأزمات في المستقبل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: